|
إن المجتمع العربي بكامله يحتاج ان يكتب عن كل بلد فيه ماذا حدث له خلال نصف قرن؟. اشك احياناً ان خط التاريخ هو خط تقدمي صاعد، وأعود لأستعيد ثقتي بأن التاريخ لا يعود للوراء عبر محاولة تفسير حالة انحطاط أو تراجع مرحلية باستلهام تلك العلاقات التي تؤثر لكنها لا تقتل، تتراجع لكنها فجأة تصعد، تعلن الهبوط لكن لا تستسلم للانهيار. ماذا حدث للسعوديين؟
عبدالله القفاري
هل سيأتي اليوم الذي نقرأ فيه (ماذا حدث للسعوديين؟)... من يقوى على قراءة وتحليل التحولات في المجتمع السعودي على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والثقافي خلال نصف قرن؟ من يستطيع ان يلامس ما تحت تلك الظواهر التي تأخذ مداها في تكوين ثقافة رؤية وسلوكيات وقبول ورفض المجتمع السعودي. ماذا أصاب المجتمع خلال نصف قرن من التحولات، ماهي المؤثرات التي شكلت تلك التحولات وحددت مساراتها، كيف بدت تلك الظواهر تتسارع بوتيرة وانساق من الصعب ملاحقتها؟.. ومتى نتجاوز القراءة في ظلال الظاهرة لا في عمق التحول، وفي ملامسة قشرتها الخارجية، لا في حك تلك القشرة لاكتشاف منابتها وجذورها وعوامل تطورها؟ كل هذا استدعيه بعد فراغي من قراءة رائعة الدكتور جلال أمين (ماذا حدث للمصريين؟) وهي قراءة تحليلية من منظور اجتماعي وثقافي واقتصادي، رحل فيه جلال أمين مع المصريين ليقرأ تلك التحولات والتطورات في حياة المجتمع المصري خلال نصف قرن من عام 1945- 1995.هذا الكتاب على الرغم من صدور طبعته الرابعة، يبدو أن المصريين يكتشفونه من جديد ليصبح الكتاب الأكثر مبيعاً في السوق المصرية خلال العام 2008.استمتاعي بقراءة هذا الكتاب مصدره تلك القدرة الجميلة الآخاذة لجلال أمين في تشريح الواقع المصري من خلال رحلة خمسين عاماً. إنها تلك اللغة التي اكتشف جلال أمين جاذبيتها للقارئ والتي تمزج بين الشخصي والعام، السردي والتحليلي، التصوير والتفكيك، وهي تحاول أن تجيب عن تلك التداعيات بين السؤال والسؤال.. بين مصر الكامنة في وعي قارئ شغوف بمرحلة لها بريق في ذاكرته شكلتها بدايات الدخول الى اكتشاف عالم مصر من خلال الكتاب او السينما او الفن او النسق الاجتماعي السائد والذي يبدو له حضوره الباذخ في عقل ذلك القارئ.. الى حالة من تراكم السمات الطاغية والمؤدية على مشهد تصوير.. تكشف حجم التراجع والارتباك والذبول. يأخذك جلال أمين عبر قدرته التحليلية الاقتصادية والاجتماعية التي يبرع فيها، من الهجرة والانفتاح الاقتصادي إلى آثار هذا التحول في حياة المصري.. إلى مفاهيم الصعود على السلم الاجتماعي عبر سلوكيات أخذت تفرض نفسها واقعاً معاشاً خلط تلك العلاقات بين الطبقات حد الارباك، إلى توظيف الدين في تكوين مراكز قوى اجتماعية واقتصادية.. الى الوظيفة الحكومية (وظيفة ميري) التي كانت تشكل حضوراً في مجتمع الطبقة الوسطى المصرية، لها قيمتها واعتبارها واخلاقياتها.. إلى السيارة الخاصة التي أصبحت رمزاً للصعود الاجتماعي. يقرأ الكاتب الذي ولد في ثلاثينيات القرن الماضي في سجل الذاكرة، يستعيد تلك الصور ويحاول ان يبحث عن الكامن في تلك التحولات وبأدوات القارئ في عقل مجتمع تضغط عليه العوامل الاقتصادية، وتحولات السياسة في مصر، والانفتاح والاستثمار الاجنبي، وبروز الطبقات الجديدة وتكوينها المعرفي وعلاقتها بالدولة، وعلو قيم وتراجع أخرى.. الى الانتاج الثقافي والفني والسينمائي الذي يعبر عن ثقافة جديدة مرتبطة بكل التحولات التي حدثت في المجتمع المصري خلال نصف قرن. وصولاً الى مفاهيم العلم والعمل الاكاديمي الذي يتناوله ايضاً هذا التشريح. اللافت في قراءة وتحليل جلال امين انه قرأ بعين الراصد والمحلل الاجتماعي والاقتصادي تلك العوامل المتداخلة طوال نصف القرن الماضي، والتي كان لها الاسهام الاكبر في تشكيل خريطة مصر الاجتماعية.. وهي خريطة تتسم بالتنوع والاختلاف والتداخل.. حتى وصل الى بنية وتكوين النواة الاجتماعية، وهي الاسرة الواحدة التي تنوع انتسابها الى مراكز اجتماعية متعددة باختلاف مصادر دخل افرادها.. وصعود طبقات كانت تقبع في أدنى درجات السلم الاجتماعي، وهبوط شرائح اخرى من طبقات أعلى، وهو تغيير في المراكز الاجتماعية وفق عوامل وشروط خلقتها بيئة التحول في مصر منذ الخمسينيات إثر حركة 23يوليو، لكنها اخذت تفرز ذاتها بقوة بعد مرحلة الانفتاح الاقتصادي في منتصف السبعينيات.. وصولاً الى قمة اعلانها عن ذاتها في مرحلة التسعينيات بشكل يجعل قراءة تلك الخريطة اكثر وضوحاً. وهي بدورها أثرت في سلم القيم السائدة في مصر منذ منتصف الخمسينيات والستينيات، والتي شهدت بدورها تحولاً ايضاً عن قيم الحياة المصرية قبل حركة 23يوليو، وقراراتها في إعادة صياغة الخريطة الاجتماعية، ثم تراجع مشروع التنمية الناصرية في منتصف السبعينيات.. وصولاً الى مفاصل التكوين الثقافي الجديد الذي تعبر عن قيم الاستهلاك ونوعيتها، ومنتجات الثقافة وبرامج التعليم وسوق العمل.. وهي بشكل او بآخر تعبير عن مستهلك جديد أفرزته تلك التحولات في الحياة المصرية وافرز بدوره انماطاً استهلاكية وثقافية جديدة.. استدعي هذه المقدمة الطويلة، وموضوعها يستحق ان يفرز له مقال مستقل، لأقول إن المجتمع العربي بكامله يحتاج ان يكتب عن كل بلد فيه ماذا حدث له خلال نصف قرن؟. اشك احياناً ان خط التاريخ هو خط تقدمي صاعد، وأعود لأستعيد ثقتي بأن التاريخ لا يعود للوراء عبر محاولة تفسير حالة انحطاط أو تراجع مرحلية باستلهام تلك العلاقات التي تؤثر لكنها لا تقتل، تتراجع لكنها فجأة تصعد، تعلن الهبوط لكن لا تستسلم للانهيار. التحولات في حياة السعوديين والتطورات التي أصابت حياة السعوديين خلال نصف قرن تستحق القراءة والتأمل ايضاً، ليس بالضرورة ان تكون تعبيرا عن تواضع او تراجع القيم او خفوت معان جميلة ربما تسولتها قراءة جلال امين عن الحالة المصرية. منذ منتصف الخمسينيات كيف يمكن قراءة التحول والتطور في حياة السعوديين، وهي مرحلة مرتبطة بأهم عامل أثر في صياغة المجتمع وهو النفط. التاريخ الاجتماعي يمكن أن يؤرخ له من بدايات تأثير النفط الذي اعاد تشكيل وصياغة وترتيب مفاهيم وقيم وعلاقات هذا المجتمع. من مجتمع البداوة والقرية إلى مجتمع الدولة الحاضرة في كل مفاصل المجتمع.. ماذا تغير في صياغة عقل انسان، وماذا جلبت تلك التحولات من مفاهيم وماذا خلفت من آثار وماذا يمكن تقدم في المستقبل من مبشرات او محبطات. كيف أعلنت تلك التحولات عن نفسها؟ ماهي القيم الثقافية التي برزت خلال نصف قرن؟ كيف تعاطى جيل الخمسينيات والستينيات مع تلك التحولات والمؤثرات الداخلية والخارجية؟ ما الفارق بين قراءة جيلين، جيل بدايات التعليم عبر ملامسة المحيط العربي الخارجي بين بيروت والقاهرة ودمشق وبين جيل البعثات الواسعة الى الغرب في منتصف السبعينيات. وماذا عن جيل البعثات الواسعة اليوم. كيف أعلنت الطبقة الوسطى عن حضورها.. وهل بدأت تتآكل اليوم؟ ماذا عن الحركة لدينا في سلم الطبقات؟ كيف يمكن قياس تلك التحولات؟ من يقوى على استعادة انساق ثقافية واجتماعية سائدة خلال العقود الخمسة الماضية، وينجز مشروع قراءة تحليلية عن اسباب علو وتراجع او خفوت او ثبات او تطور. هل قرأنا يوماً تحليلاً اجتماعياً عن حياة السعوديين عندما لامسوا اثر الثروة، كيف تطورت حياتهم وكيف تعاملوا مع تلك الثروات.. كيف أثر السعوديون في العالم الخارجي وأي تكوين خلفته الثروة ومصادر القوة في سلم التأثير؟ المجتمع السعودي مر بتحولات لكن تتعثر قراءتها.. السعودية قارة كبرى، قراءة ملامح تحولاتها تحتاج ان تستعاد في كل منطقة وفق قيم الثقافة السائدة فيها والتحولات التي اصابتها والتطورات التي بدأت تحكم على مسار الحياة فيها وثقافتها التي كانت تعبر عنها. علو الطبقات في المجتمع السعودي امر مشاهد ومقروء، ثروة النفط خلفت طبقة وسطى من العدم في بلاد كانت تسود فيها كل بدائيات الحياة.. لكنها ايضاً عبر خمسة عقود او اكثر صنعت الكثير من التحولات في السلوكيات والفرز والتمايز.. عناوين الصعود الاجتماعي واضحة ومعايير الاشراف الاجتماعي اصبحت اليوم مرتبطة بعلو قامة الطبقة لا بعلو قامة الفرد. الرصد الاجتماعي مهم والتحليل الذي يتسم بأدوات الباحث قد يكون مرتبكا، لكن الذي يربط مشهد التحولات هو الذي يمر عبر سبر اغوار تلك المراحل مع استدعاء تلك الصور، ومحاولة فهم ابعادها لتقديم صورة ذهنية عن طبقة تلك التحولات وآثارها. القيم الاستهلاكية، صعود الطبقات، اختلال منظومة من القيم الاجتماعية، الفكر الاجتماعي السائد، المرأة بعد نصف قرن، نوعية التعليم والتعليم النوعي، الاستثمار وقنوات الاقتصاد الجديد... كلها عناصر تستحق القراءة والتأمل وليس بالضرورة أن تكون قراءات أكاديمية بحثية تتخذ طابع الدراسات التي قلما اعطت للقارئ العادي متعة القراءة والاكتشاف السلس والوقوف امام تجربة الكاتب.. انها احصاءات وارقام وعناوين تصلح في قاعة بحث.. ما نحتاجه قراءات فكرية تلمس بشفافية تلك التحولات حتى لو جرحتها.. وتلقي الضوء على فهم اكثر اقتراباً من محاولة تفسير لعوامل التحول وعدم الاكتفاء برصد المنجز الذي لا يخفى على احد
الرياض 1/7/2008م |